الجاحظ
84
رسائل الجاحظ
والصبوة ، والشوق والغلمة . ثم لا تنفك من الدراسة لصناعتها منكبة عليها ، تأخذ من المطارحين الذين طرحهم كله تجميش وانشادهم مراودة . وهي مضطرة إلى ذلك في صناعتها ، لأنها ان جفتها تفلتت ، وإن أهملتها نقصت ، وإن لم تستفد منها وقفت . وكل واقف فإلى نقصان أقرب . وانما فرق بين أصحاب الصناعات وبين من لا يحسنها التزيد فيها ، والمواظبة عليها . فهي لو أرادت الهدى لم تعرفه ، ولو بغت الغفلة لم تقدر عليها ، وإن ثبتت حجة أبي الهذيل فيما يجب على المتفكر زالت عنها خاصته ، لأن فكرها وقلبها ولسانها وبدنها ، مشاغيل بما هي فيه ، وعلى حسن ما اجتمع عليها من ذلك في نفسها لمن يلي مجالستها عليه وعليها . [ 29 - المقين ] ومن فضائل الرجل منا أن الناس يقصدونه في رحله بالرغبة كما يقصد بها للخلفاء والعظماء فيزار ولا يكلف الزيارة ، ويوصل ولا يحمل على الصلة ، ويهدى له ولا تقتضى منه الهدية ، وتبيت العيون ساهرة والعيون ساجمة ، والقلوب واجفة ، والأكباد متصدعة ، والأماني واقفة ، على ما يحويه ملكه وتضمه يده ، مما ليس في جميع ما يباع ويشترى ، ويستفاد ويقتنى ، بعد العقد النفيسة . فمن يبلغ شيئا من الثمن ما بلغت حبشية جارية عون ، مائة ألف دينار وعشرون ألف دينار . ويرسلون إلى بيت مالكها بصنوف الهدايا من الأطعمة والأشربة ، فإذا جاءوا حصلوا على النصر وانصرفوا بالحسرة ، ويجتني مولاها ثمرة ما غرسوا ، ويتملى به دونهم ، ويكفى مؤونة جواريه . فالذي يقاسيه الناس من عيلة العيال ، ويفكرون فيه من كثرة عددهم وعظيم مئونتهم ، وصعوبة خدمتهم ، [ هو ] عنه بمعزل : لا يهتم بغلاء الدقيق ، ولا عوز السويق ، ولا عزة الزيت ، ولا فساد النبيذ ، قد كفي حسرته إذا نزر ، والمصيبة فيه إذا حمض ، والفجيعة به إذا انكسر .